شبكه مختصه في طرح الحقائق التي يتعمد تشويهها
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي ج3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو جعفر
Admin


عدد المساهمات : 214
نقاط : 581
تاريخ التسجيل : 10/02/2015
الموقع : شبكه الولاء والبراء الاسلاميه

مُساهمةموضوع: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي ج3   السبت مارس 21, 2015 12:50 pm

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

______________________________small.jpg
الحلقة الثالثة
سارت بنا السيارة، بعدما غادرنا مدينة الحويجة الشماء بإتجاه الحصن المنيع لدولة الإسلام، الموصل العصية، وكأن السائق، وهو يقود سيارته، يحفظ الطريق ومطباته عن ظهر قلب، طريق امتد تحت جنح ظلام لا يخفف من وطئة سواده سوى تلك الأنوار المتقطعة لمصابيح أنارت بيوتات على جانبي الطريق، والتي تزداد غزارتها كلما اقتربنا من المدن ذات الكثافة السكانية..!
كان الشاب الذي برفقتنا، والذي تعرض إلى المسائلة في أول سيطرات ونقاط تفتيش دولة الخلافة الإسلامية، يمتلك خطاً هاتفياً، يطلق عليه (شبكة أثير) الشيعية، والتي كانت تعمل بتقطع، بعدما توقفت بشكل تام شبكة (آسيا سيل)، التي تعود ملكيتها إلى الأكراد، في ظل غياب أي شبكة للأتصالات تعود ملكيتها للسُنّة العرب، وكانت السيدة التي برفقتنا تستأذن الشاب بين الفينة والإخرى لإجراء مكالمات بعد توقف هاتفها عن العمل، وأحياناً تحاول إرسال رسائل إلى عائلتها في بغداد تبلغها بإنها بخير، وإنها في الطريق إلى الموصل، وأن كل الأمور تسير على خير ما يرام، فيما راح الشاب يخاطبنا بإن هاتفه في خدمة الجميع!
مررنا بنقطة تفتيش جديدة، توقف السائق خلف سيارة كانت تسبقنا ببضع مئات من الأمتار قبل توقفها في نقطة التفتيش التابعة لرجال الدولة الإسلامية، حيث لم يعد يفصلنا عنها سوى ثلاثة إلى اربعة أمتار، وحينما تجاوزت نقطة التفتيش، بعد أقل من دقيقة من توقفها، جاءنا دور المرور..
توقف السائق أمام رجل الخلافة، الذي كان كاشف الوجه، مُلتحٍ، في نهاية العشرينات من العمر، اطلق علينا السلام أولاً، ثم تبسّم مع السائق، وراح يمازحه قليلاً..!
كانت لكنته من تلك المناطق (شمال صلاح الدين، أو جنوب الموصل)، إنها لهجة مميزة، وجميلة في نفس الوقت، هي أقرب للبدو منها للحضر، ما اجمل لغة البدو التي كان أبي يتحدث بها، كيف لا، وأبي بدوي حد النخاع، رعى الأبل حتى بلغ اشده، ثم احترف الزراعة، قبل أن تجبرتنا ظروف الحياة، وذهاب أراضينا التي أغرقتها مياه سد حديثة (سد القادسية) إلى السكن والإقامة في المدن، والتي صعب على أبي التأقلم عليها، فبقي يتحدث بلسانه البدوي، هذا الذي اعشقه وأحاول التحدث به مع أبنائي رغم صغر سنهم.. بل إنني أتذكر كيف أن زملائي في مهنة الصحافة ببغداد كانوا يلقبوني بـ (البدوي) وذلك لطبيعة وتركيبة شخصيتي، التي نأت بنفسها عن عالم التحضر والتمدن الزائف، رغم عملي في بلاط صاحبة الجلالة حيث سلطة الإعلام الرابعة، والتي ما عادت ذات جلالة، تماماً مثلما ما عادت سلطة رابعة، بل مسخرة أولى وثانية وثالثة فرابعة، في ظل حكم الشيعة، ونفاق الكرد، وعهر حكام الخليج وبقية بيادق أميركا وإسرائيل وإيران!
كان رجل نقطة التفتيش يتحدث إلى السائق، فيما كنت أنا غارقاً في تأمل جمال مخارج حروفه وكلماته ولفظه.. قال للسائق:
ما هوية زبائنك من الركاب؟!
فرد عليه السائق، الذي ينتمي لذات المناطق كما تبين من لهجته في الحديث:
إنهم يتوزعون بين موظفين وطلبة، دون أن يتم التطرق إلى وجود نساء بيننا..
فرد رجل نقطة التفتيش:
وهل بينهم (جنود مرتدين)!؟
فأجابه السائق بإنه يستطيع التأكد بنفسه، لكنه أكد له إننا مررنا بأكثر من نقطة تفتيش، وقد تم التأكد من هويات الركاب جميعاً!
فأجاب رجل الدولة الإسلامية ممازحاً الرجل الكبير في السن الجالس بجوار السائق:
لكني أظنكم جميعاً جنود، وهذا العم في (الصدر) هو قائد المجموعة، و(الصدر) عندنا في العراق هو من يجلس بجانب السائق، متصدراً الركاب..
فضحك الرجل الخمسيني أو الستيني الجالس بجوار السائق، ورد عليه:
أعوذ بالله، لست إلا اُستاذاً جامعياً..! قالها ثم اطلق ضحكة طويلة، ضحك لها الجميع، فيما لا زلت أنا اتأمل طريقة حديث رجل الدولة الإسلامية، والحق أقول لا أعرف إن كانت لهجته من سحرتني، أم عذوبة تعامله مع الناس هي من أبهرتني!!
أنتهى الوقوف أمام نقطة التفتيش بضحكات وأبتسامات من الجميع، وربما هناك من كانت ضحكاته لا تخرج من كل قلبه، حيث شعرت أن هناك البعض لا تزال مخاوفه من نقاط تفتيش وسيطرات الدولة الإسلامية حاضرة، وخصوصاً السيدة البغدادية الموصلّية الأصل، والتي تذمرت من كثرة نقاط التفتيش على الطريق، مع إنها لا تمثل شيئاً أمام عددها أيام ما قبل التحرير المبارك.. شعرت بدوري بالإستفزاز من كلام السيدة، فتدخلت هذه المرة وبشكل عصبي..!
كانت السيدة تجلس خلفي، فأخذت اتحدث بصوت عالٍ، وأقول ساخراً، نعم، من حقنا التذمر هكذا، فقد كان الشيعة يستقبلوننا بالورود في سيطراتهم ونقاط تفتيشهم، وكانوا لا يبصقون في وجوهنا، ولا يهينوننا، ولا يدوسون على رؤوسنا بأحذيتهم، بعدما تمكنوا منا، ولم يغتصبوا نسائنا، ولم يقتلوا أولادنا، ولم ييتموا أطفالنا..!
نعم من حقنا التذمر من عدد السيطرات ونقاط التفتيش، التي ما وجدت إلا لحمايتنا، فنحن لا نرضى بمن يحمينا ويخاف على أعراضنا أكثر منا، ويدافع عنا بشراسة، نعم نحن لا نستسيغ أن نرى من يسهر الليل كي نعيش بأمن وأمان، نعم لإننا لا نرضى إلا بالذل، وبالمهانة، وبالعيش في كنف زنادقة الشيعة وملحدي الكُرد في ذل وإهانة.. لنتقِ الله جميعاً، فهؤلاء ما خرجوا إلا حينما اُنتهكت أعراضنا، وسُبيت نسائنا، وأبيدت مدننا، وتسلط المجوس، ومن حالفهم، على رقابنا، فأستعبدوا حتى الأجنة في الأمهات!
دبّ الصمت بعد كلماتي هذه في السيارة، وخشي الجميع الرد، ربما لأنهم ظنوا إنني، وبطريقة حديثي تلك، أحد رجال الدولة الإسلامية، شعرت بهذا من طريقة صمتهم، فللصمت حديث لا يفقه لغته أياً كان..!
واصلت الحديث دون توقف، فلقد وجدتها فرصة لأخبرهم ببعض ما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الشيعة والكرد وأسيادهم الأميركان.. وكثير منهم يعلمون ويدركون..
قلت:
يا من تتذمرون، هل سمعتم بما حدث لرجالنا ولنسائنا في المعتقلات، سأحكي لكم موقفاً واحداً، رأيته بنفسي، لتعرفوا لماذا نبصق على المجوس، ولماذا هم يحاربوننا ولماذا يريدون إعادة احتلال أراضينا المحررة، لقد كانوا في المعتقلات يحضرون المرأة ذات الأربعين عاماً، مع طفلتها ذات الأحد عشر ربيعاً، ثم يخيّرون السيدة (السُنّية) بين إغتصابها، أو إغتصاب طفلتها، وكانت المسكينة، وبعد بكاء مرّ، تفضل أن يتم إغتصابها على حساب إغتصاب طفلتها..!
كنت أتحدث، وكان صوتي يرتفع شيئاً فشيئاً، وكنت أومئ بيداي شمالاً ويميناً، رغم أن أحداً لم يكن يراني، بسبب الظلام الذي كنا نجلس في عتمته، اللهم إلا من كان يجلس بجانبي حيث كانت يداي تمسهم دون دراية مني..
كنت اُردد:
هل تعلمون، يا من لا تقبلون إلا بحكم مليشيات وجيش الشيعة وبيشمركة الكرد، أن المرأة السُنّية هذه حينما اختارت أن يتم إغتصابها مقابل عدم إغتصاب طفلتها ماذا فعلوا معها؟!! لقد أقدموا على إغتصاب الطفلة أولاً، ثم تلا ذلك إغتصاب الأم نفسها، أربعة كلاب اميركية متوحشة تناوبوا على إغتصاب الأم وطفلتها، وهل تعلمون من كان يمسك بالأم وطفلتها حين الإغتصاب!! مجموعة من شرطة وجيش الشيعة ممن كانوا يعينون الأميركان ويساعدونهم على إذلال وتركيع أهل السُنّة والجماعة..
كل هذا يفعلوه أمامنا وأمام أعيننا ليقولوا لنا بعد ذلك: من لا يعترف بالتهم المنسوبة إليه سنعتقل عائلته ونحضرها هنا ونفعل بها ما فعلنا بهذه (العاهرة) كما يسمونها، وحاشاها..!
كان بدني يقشعر وأنا أتذكر ذلك الموقف الذي لا يغادر مخيلتي أبداً، وكيف له أن يُغادرني وهو ينام ويعشعش ويتنفس ويأكل ويشرب معي، ينام في فراشي، ويعشعش في عقلي، يتنفسني قيحاً، ويُؤكلني زقوماً، ويُشربني سماً..!
إنه الحقد الفارسي المجوسي الأعمى على أمة الإسلام، اُمة السُنّة والجماعة، لهذا يسعون إلى إستعبادنا، أو إبادتنا بأحسن الأحوال، بمساعدة ومشاركة القريب والبعيد، ولأجل ذلك لن يتخلوا عن نواياهم تلك حتى يحققوها، أو يبادوا!!
صمت الجميع، وخرست الألسن، ومنها لساني الذي انعقد بعد ذلك، بعدما اطلقت لدموعي العنان وسط ظلام المكان وضجيج محرك السيارة، الذي كان متأثراً بنوعية البنزين المصنع محلياً في المصافي البدائية التي بدأت تكتظ بها مدن الدولة الإسلامية، بعدما اتلف الشيعة والأكراد وطيران الغرب والخليج جميع المصافي التي تخضع لسيطرة دولة الخلافة عن طريق طيرانهم الذي لا يغادر سماء تلك المدن، ولكن فوق غيوم تقترب من القمر كما نراها نهاراً، وبإرتفاعات مجهولة ليلاً!
استمر الصمت هكذا حتى قطعه إشارة شاب، لم يبلغ العشرين من العمر، أومأ إلينا ونحن نقترب من جسر يرتفع بالطريق حتى يربطه بطريق آخر، توقف السائق وخاطبه الشاب، الذي كان يحمل بندقية ويضع لثاماً على وجهه، بالقول ( رحم الله والديك أخي، حينما تصل إلى نقاط التفتيش أنر مصابيح السيارة من الداخل قبل الوصول بقليل)، فاعتذر منه السائق وأخبره أنه يعرف بهذه الملاحظة، إلا أن النسيان هو السبب، مع إنني حَمّلتُ نفسي مسؤولية ذلك، بعدما فتحت جروحاً ربما تناسى بعضنا بعض مواجعها بحديثي عما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الأميركان والشيعة والبيشمركة..!
كنا نمر بجسور وأودية وتعرجات وتموجات أرى بعضها من مصابيح السيارة التي كانت تكشف لنا مساحة من الطريق في ذلك الظلام الدامس، في حين إنني كنت استكشف بعضها الآخر من صوت مرورنا فوقها أو بجانبها، أو من تمايل السيارة بنا يميناً وشمالاً..!
إقتربت الساعة من الثامنة في آخر ليلة من العام 2014م، ولا زلنا نسير في طريق لم اسلكه منذ سنين خلت، حينما كنت أتجول في ربوع تلك المناطق لأنقل حقيقة الخسائر الأميركية في صلاح الدين والموصل، وهو ذات الشيء الذي كنت افعله في الأنبار، يوم كنت أتعامل مع العديد من القنوات التلفزيونية المحلية والعربية والأجنبية، فبعض تلك التقارير كانت تذهب إلى قناة الرافدين، وبعضها الآخر أذهب به إلى قناة الشرقية والزوراء، ولاحقاً الرأي، وبعضها الآخر إلى قناة الجزيرة، وبعضها إلى شبكة الأنبي سي نيوز، ووكالة الأسوشيتدبرس والعديد من الجهات الإعلامية الأخرى، يوم كانت تحرص على نشر ما تتعرض له قوات الاحتلال من خسائر موجعة، أو تقوم ببث معاناة المناطق التي تخضع لسلطة المنطقة الخضراء وقادتها، سواء من البنتاغون أو من فيلق القدس الإيراني، ببركة السياسيين، الذي استبسلوا في تثبيت دعائم الاحتلال (الأميركي - الإيراني) لأرض الرافدين، قبل أن تتبدل مواقف بعض تلك الجهات الإعلامية والقنوات لتصبح مواقفها تباع وتشترى، وسياستها الإعلامية تخضع لمن يدفع أكثر!
كنت احفظ هذه المناطق وهذه المدن عن ظهر قلب، لكني الآن لا أعرفها، فلقد تركت سنوات الاحتلال الأميركي القاسية آثارها عليها، وليكمل مسيرة إنهاكها الاحتلال الشيعي الإيراني لها.. لم تكن آثار الاحتلال بادية لي نتيجة الظلام، لكني كنت اُحسها، فهي عندي بمثابة جسد وروح، تتألم أكثر من ألمنا، وتتوجع أكثر شدة من توجعنا، فهي تعاني كما نعاني، كيف لا، وهي قد اُغتصبت من قبل خنازير اميركا وكلاب إيران، تماماً مثلما تم إغتصاب أعراضنا على أيديهم، وهي جائعة حد الشبع، ومريضة بداء أنهكها مثلما أنهك المرض والجوع فلذات أكبادنا وأمهاتنا وأبائنا، هذه الأرض المعطاء انتخت اليوم وهي تنادي (واوجعاه)، فهب لتحريرها رجال، قال عنهم العالم كله إنهم وحوش بهيئة آدمية، وها أنا اليوم آتيهم، من آخر الدنيا، لأنقل للعالم حقيقتهم، وسأكون منصفاً، حتى لو وجدت عندهم من السوء، فأقسم بمن نصرنا في بدر يوم كنا أذلة، إنني سأتحدث به، وانطق واجهر به، ولن اخشاهم، أو اخشى غيرهم، ما دمت أفعل ذلك لله، ونصرة للحق، وكشفاً للواقع، وتبياناً للصدق الذي غيبه الإعلام وتجاهله، بل وشوهه!
واصلنا المسير، حتى بتنا على مشارف (الگيارة)، التي وصلناها اللحظة، نعم هذا مفرق طرقها، وهذا جسرها الذي يتفرع منه عدة جسور وطرق إلى مناطق أخرى، وهذا الجسر الذي قال عنه هذا الصباح مراسل قناة العربية (الإيرانية المجوسية) إنه بيد البيشمركة الكردية الآن، وأنه تم تحريره وإستعادته في معركة ضارية مع (د ا ع ش)، على حد وصف هذه القناة التابعة إلى (معس)، والمسمومة بِسُمّ إيراني، من ذاك الذي نُقّع به الخنجر الذي غُرس في ظهر سيدنا علي، رضي الله عنه وأرضاه، وهو ذات السم الذي غُمس به الخنجر الذي استقر في جنب سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب، محطم اُسطورة الجيش الكسروي الذي كان لا يقهر، أبا حفص الذي اطفأ عهده نار المجوس إلى الأبد، وسُمّ قناة العربية هو ذات السم اليهودي الذي وضع في طعام الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، قبيل وفاته، بأبي وأمي هو!
ما هذا، الجسر يقف فوقه مجموعة من رجال الدولة الإسلامية، لكني سمعت هذا الصباح في نشرات الأخبار ذلك الذي اسميه إسطوانة الغاز، مراسل القناة التي صح فيها القول (العبرية)، المسمى (أحمد الحمداني) يقول أن البيشمركة اصبحت على مشارف الموصل، بعدما استعادت السيطرة على جسر الگيارة، بل والسيطرة على الگيارة ذاتها، بل وزاد على ذلك قولاً أن من يسيطر على ذلك الجسر إنما يسيطر على محافظات ثلاث: ديالى، وكركوك، ونينوى، وربما نسي محافظة صلاح الدين هي الأخرى، مع أن الجسر من الناحية الإستراتيجة لا يمثل شيئاً، كونه جسراً يربط مجموعة طرق، ولكل طريق من هذه الطرق طريق بديل، ما يجعل السيطرة عليه لا تقدم ولا تؤخر على أرض الواقع، أو في ميدان القتال شيئاً..!!
سألت رفيق رحلتي الشاب الجالس بجانبي ويدعى (حازم):
أوليس هذا هو الجسر الذي قالت عنه قناة العربية أنه بيد البيشمركة؟!
فرد عليّ بالأيجاب، وقال ألم اقل لك إنهم يكذبون، حيث كنا نتحدث في ذلك الصباح، حينما كنا نجلس على قارعة الطريق بإنتظار أن يتم السماح لنا بالعبور من مناطق سيطرة الشيعة والكرد إلى أراضي الخلافة الإسلامية، إذ كذّب صاحبي هذا الصباح تقارير قناة العربية واوصفاً إياها بـ(اليهودية)!
ولكن، وبالرغم من ذلك، ما قصة المحافظات الثلاث التي يتم السيطرة عليها بالسيطرة على هذا الجسر، وما قصة السيطرة عليه وهو لا يزال بيد رجال الخلافة الإسلامية، الذين يحكمون السيطرة عليه بقبضة حديدية.. هذه القصص الخرافية اترك الإجابة عليها لمراسل قناة العربية نفسه المدعو (أحمد الحمداني)، لعله يأتينا بالجواب الشافي من فوق فنادق أربيل التي يبث منها تقاريره عن ساحات معارك تبعد عنه مئات الكيلومترات، فيقيناً إنه، كما قناته، يعرف أكثر!!!
تجاوزنا (الگيارة) التي كان ليلها حياً، فباعة البنزين لا يزالون يفترشون الأرصفة الجانبية، والحال نفسه ينطبق على باعة الأطعمة والفاكهة، ومطعم هنا ومطعم هناك، لا يزالوا فاتحي أبوابهم للمسافرين، فيما كانت دوريات الدولة الإسلامية تنتشر، ليس في (الگيارة) فقط، بل على طول خط السفر، بعضها نراه، وبعضها على شكل كمائن متحركة أو ثابتة، تحسباً لأي طارئ!
بعبورنا لمدينة الكيارة بدأ العد العكسي لوصولنا لمدينة الرماح، موصل الجهاد، بل إننا بتنا على مشارفها، حيث أخذ الطريق يرتفع تارة وينخفض تارة أخرى، فتموجات الطريق تخبرك بإنك أمسيت الآن على مشارف الموصل، ولا حاجة بك لأن تسأل أأقتربنا أم لا يزال هناك طول في الطريق، فكما هو (الهوبر) دليل (الكمأ) لمن يعشق جني الكمأ من الصحاري والقفار، فإن تموجات الطريق دليل إقتراب الموصل منا، أو إقترابنا منها، لا فرق، ما دام سيجمعنا بها اللقاء بعد فراق وغياب، وها هي أولى تبشاير اللقاء، بوابتها التي تنتصب في أقصى جنوبها الشرقي شامخة في عزّ وثبات!
ابصرت بوابتها كاملة، رغم ظلام الليل، فإضواء السيارة تنير لنا ظلام المكان، وأي مكان، بوابة تعلوها راية العقاب بلونيها الأسود والأبيض، لا إله إلا الله محمد رسول الله، راية دولة الخلافة الرسمي، راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وراية الخلفاء من بعده، راية الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، شعور لا يوصف، وفرحة لا تتسع الدنيا بأكملها لها..!
توقفنا أمام جندي يرتدي بزة (قندهارية) سوداء، يكسو رأسه شعر كث طويل ولحية، وكإنها جزء من سواد ذلك الليل المدّلهم، وعيناه كانتا تتقلصان وتكبران بحسب شدة نور مركبتنا.. سلّم علينا بوجه بشوش، رغم ملامح التعب الذي كان بادياً على قسمات وجهه التي كانت تبرز وتختفي وسط الظلام والنور.. سألنا أولاً عن وجهتنا، والمدينة التي أتينا منها، ثم سألنا عن باقي نقاط التفتيش، وكيف هو حالهم، ثم سألنا عن طريقة التعامل معهم، فنطق الجميع، وكل بعبارة، فمنهم من قال ( بارك الله فيهم.. لم يقصروا)، ومنهم من قال (الله ينصرهم)، ومنهم من قال (والنعم منهم)، أما أنا فاكتفيت بالصمت، ولا أعرف سبباً لصمتي، لكني ربما أردت معرفة ما سيقوله عامة الناس عنهم في حضورهم والغياب!
ختم رجل بوابة الموصل كلامه بالقول: مرحباً بكم، وحياكم الله بين أهليكم، وكانت لكنته وهيأته تدل على إنه من أرض الحجاز بجزيرة العرب، تلك الأرض المباركة التي تغذي سوح الجهاد بقوافل من المجاهدين الأشداء، لله درّهم من اُسود جائعة تسعى لإعادة هيبة غابرة، وأمجاد أمة ضائعة!
أخذ المسافرون معي يحمدون الله على سلامة الوصول، وبدأوا في جمعِ إجرة السيارة.. وجمعُ إجرة السيارة يعني أن الرحلة باتت على مشارف الإنتهاء، ما يعني أنهم ضمنوا الوصول سالمين إلى ديارهم، مع أنه ما يزال هنالك عدة كيلومترات قبل الوصول إلى المدينة، قضيناها في جمع إجرة السيارة بهدف تسليمها للسائق، فقمت بدوري بإخراج مبلغ شخصين لدفعها عني وعن الشاب الذي كان برفقتي، فقد قضينا معاً عدة أيام في إنتظار أن يُفتح الطريق إلى أراضي الدولة الإسلامية قبل أن يتم السماح لنا بالعبور.. رفض صاحبي أن أدفع عنه إجرة السيارة وطلب أن يدفع هو بالمقابل عني وعنه، وهنا تدخل السائق محاولاً فض النزاع، فقال (لا تختلفوا، دعوها على حسابي)، فضحكنا ثم شكرناه، ثم أجبرت رفيق سفرتي على التنازل والقبول بمبدأ الدفع عنه، رغم إكثاره من قول: أنت لست من الموصل، وأنت ضيف علينا، وغيرها من العبارات التي توجب على أهل الدار، كما يقول، القيام بواجب الضيافة، لكنه اشترط عليّ للقبول بالدفع نيابة عنه أن اكون ضيفه الليلة، وأنام عنده في داره، مؤكداً لي أن عائلته ستكون مسرورة إن حللت عليهم ضيفاً، فمن عادة العرب عندنا إن حل ضيفاً في بيت حلّت معه البركة، كما يقال، لهذا تجد كثير من الناس يتسابقون على إستقبال الضيوف، ممن يعرفون أو لا يعرفون، طلباً للفوز بالبركة..!
تذكرت في نفسي ما كان يشاع عن أهل الموصل، ووصّمهم ظلماً وجوراً بالشح، فما كان من ذلك الشاب، وموقف السائق، وبقية الركاب الذين تعالت أصواتهم طالبين مني أن اكون ضيفاً عليهم يفند كل تلك الإتهامات، بل إن أحدهم قال لي إنه سيكون ضيفاً عند اقرباء له، وحبذا لو شاركته ضيافتهم لأنهم سيسعدون بذلك كثيراً.. شكرتهم جميعاً ثم وعدت ذلك الشاب المهندس (حازم) أن اكون ضيفه، إن قررت المبيت عند أحد..!
بدأ الركاب في النزول، حيث طلب أحد الركاب إنزاله في أول مدخل الموصل، ثم راح يودعنا وكإننا من عائلته، كانت اربع ساعات، إن لم تكن قد إقتربت من الخمس، تلك التي قضيناها في الطريق كفيلة أن تجعل منا عائلة واحدة، غريب ذلك، لكن هي ميزة العاطفة التي يمتاز بها قسم كبير من أبناء الرافدين، فبمجرد أن تستلطف شخصاً ما، أو تشعر بالراحة إتجاهه، حتى دون معرفتك به، فبأمكانك أن تأخذ ملابسه منه حينها إن شئت، ويكون مستعداً ليقف معك مهما كلف ذلك، دون أن ينتظر منك شيئاً بالمقابل، وقد زادت هذه العاطفة في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعدما بات أهل السُنّة والجماعة في العراق يتعرضون للإستهداف من أمم الأرض جميعها، ويشعرون بإنهم غرباء، فقربتنا (غربتنا) هذه من بعضنا كثيراً، وهذا ما لمسته في هذه الساعات التي قضيتها مع أبناء ديني في أول سيارة استقلها بأرض الخلافة الإسلامية!
وصلنا إلى وسط الموصل، كانت الكهرباء قد قُطعت عن عدة أحياء من تلك التي مررنا بها، لكن بعضها اُنير بواسطة المولدات الأهلية على ما يبدو، فقد لاحظت إقتصاداً في عدد المصابيح الخارجية للدور والعمارات، والحال نفسه ينطبق على مصابيح الشوارع التي قُطعت الكهرباء عن بعضها، فيما لا تزال الإنارة ترسم لوحة ليلية لشوارع أخرى..!
كانت السيارات تملئ الشوارع، وحركة الناس لا توحي أن هناك برداً يمنع الحركة، خصوصاً إننا في رأس السنة الميلادية، ما يعني أن الشتاء الآن يكاد يكون في منتصفه، أو انقضى ثلثه الأول في أقل تقدير، لكن، وبكل الأحوال، هي ليست تلك الحركة التي عُرفت الموصل بها قبل سنين طوال، يوم كنت أحب ليلها أكثر من نهارها لشدة روعة جماله الناطق، جمال اُمسيات ملاح، وليل لا يعرف النوم حتى طلوع الصباح..!
توقفت السيارة أمام أحد المطاعم الكبرى في وسط الموصل، لم أكن أدري أين أنا، فعتمة الليل أضاعت عليّ الطريق والأحياء والمناطق التي أعرف، كما أن الاحتلال الأميركي والشيعي والكردي قد غير الكثير من ملامح الموصل الحدباء، وربما فرحة اللقاء بحبيبتي الموصل هي من غيرت في ذهني رسم خارطة المدينة، حتى ما عدت أدري أفي جانبها الأيمن أنا، أم الأيسر! لكن أياً يكن، فليس ذات أهمية وجودي في يمينها أو الشمال، ما دمت على أرضها المباركة، أرض الأنبياء، أرض الأتقياء، أرض الصالحين.. أرض المجاهدين!
كنت أول المترجلين من السيارة بحكم جلوسي على مقربة من الباب، ثم تبعني البقية في النزول، الجميع كانت عيونهم على الحقائب، إلا أنا فلقد كنت منشغلاً في النظر صوب تلك البنايات التي تحيط بي، والتي اُنير بعضها بمصابيح خفيفة، فيما بقي بعضها الآخر منتصباً وسط الظلام، وليس العيب فيها، بل العيب والعار على من سرق حقها في الكهرباء، من شيعة وكرد، قبل أن يسرقوا حق أهلها في الحياة!
كنت أحمل كاميرتي بيدي، والتي تحرجت من استخدامها قبل معرفة القوانين، فلا أعرف أن كان مسموحاً إلتقاط الصور، أم أن ذلك ممنوعاً في أرض يترصدها القريب والبعيد، وكنت كل ما وثقته حينذاك بعض الصور في لحظة دخولي أرض الخلافة، أما اللابتوب فقد وضعتها على كتفي منتظراً أن يأخذ كل مسافر حقيبته لألتقط حقيبة الظهر التي أحملها معي!
أخذ المسافرون يوقفون سيارات الأجرة (التاكسي) ليذهب كل واحد إلى بيته، ووقفت السيدة التي كانت برفقتنا، والتي جاءت إلى الموصل دون أن يكون أحد برفقتها، وأخذت تشير لسيارات التاكسي، وكلما توقفت سيارة رفض سائقها أن يَقلّها إلى بيتها، ما دعا بعض المسافرين، ممن كانوا برفقتنا، للإقتراب منها سائلين إياها عن سبب رفض أصحاب التاكسيات أن يَقلّوها إلى حيث تريد، فأكدت إنهم يخشون أن تتم محاسبتهم من قبل مفارز الدولة الإسلامية، كونهم يقلّون سيدة بِلا مِحْرَمْ معها، إذ أن ذلك يُعدُّ مخالفة شرعية، وهو ما دعا أحد الرجال ممن كانت معه سيدتين إلى التطوع بإيصال السيدة إلى دارها، حيث ستكون برفقة تلك العائلة المكونة من ثلاثة أشخاص، إمرأتين وذلك الرجل، وحينها لا خوف عليها من أي شيء، واستقلت تلك العائلة سيارة تاكسي مصطحبين معهم تلك السيدة، التي كانت بِلا مِحْرَمْ، بهدف إيصالها إلى دارها بأمان، وبلا إحراجات الطريق!
تفرق جميع المسافرين بين هذه التاكسي وتلك، فيما عداي أنا وصاحبي، الذي أصرّ أن أرافقه إلى داره للمبيت، فطلبت منه مهلة بضعة دقائق لأقرر ذلك من عدمه.. استغرب طلبي المهلة أول الأمر، لكنه اكتفى بالقول لي:
حسناً، أنا بالإنتظار!
نظرت شمالاً ثم يميناً، وكنت أبحث عن تواجد للمجاهدين من رجال الدولة الإسلامية على مقربة منّا، فلقد اقسمت على نفسي أن لا تمر هذه الليلة إلا وأكون برفقة اُسود الجهاد، كي تكون آخر ليلة لي في هذا العام مع المجاهدين، ويكون أول يوم لي في السنة الجديدة في مضاربهم أيضاً، بعدما اعتدت أن أقضي مثل هذه الليلة خلال السنوات الماضية متحسراً على ساحة افتقدتها، بعدما أشار عليّ إخوة الجهاد أن أكون إعلامياً مناصراً ومسانداً لهم من الخارج، حينما اصبح من النادر أن تجد إعلامياً أو صحفياً ينصف المجاهدين، أو يقدم لهم مساعدة، أو دعماً إعلامياً، أو ينقل عنهم حقيقة ما يجري على الأرض، فخضعت حينها لذلك الرأي، مكرهاً غير راغب، وهاقد حانت ساعة العودة إلى هذه الأرض، وتقبيل تلك الأيادي والأقدام التي لطالما أغبرت في سبيل نصرة الإسلام، دين الحق، هذا الذي يعاديه الروم، ويحاربه الفرس، وينكل به اليهود، ويتجرأ عليه البوذ!
على بُعد قرابة المائة متراً ابصرت سيارة تتبع إلى الشرطة الإسلامية متوقفة في تقاطع يلتقي عنده عدة طرق.. كانت الإشارة الضوئية (الترفكلايت)، التي تتوسط ذلك التقاطع، متوقفة بسبب إنقطاع الكهرباء، ومع أن إنارة المطاعم وبعض البنايات كانت تنير الشارع بإتجاهيه، إلا أن سيارة (النجدة) التابعة إلى شرطة الدولة الإسلامية كانت تستقر في منطقة شبة مظلمة، لكني اُبصر بجانبها من بعيد ناراً خفيفة الوهج، فقررت التوجه إلى رجال الشرطة الإسلامية لعلي أجد عندهم مبتغاي!
قلت لصاحبي الموصلّي، المهندس (حازم):
سأعود إليك بعد قليل.. إنتظرني هنا.. وكان يقف أمام المطعم مباشرة!
ردّ عليّ بإبتسامة خفيفة، ترافقها علامات إستفهام كانت بادية على وجهه:
سانتظرك هنا للصباح، ولن أذهب بدونك اليوم!
شكرته على كرمه، وذهبت سيراً على أقدامي بإتجاه دورية الشرطة الإسلامية عند التقاطع، وحقيبتي على ظهري، حاملاً بيدي الكاميرا، فضلاً عن (اللابتوب) المتدلية من كتفي..
كنت أجد خطواتي بطيئة جداً، فأخذت أحثها وأمدّها، وكإنني إن تأخرت عنهم فسيسرقهم مني أحد ما، وصلتهم وكانوا يجلسون على كراسي ثلاثة، فيما كان هناك كرسياً شاغراً.. بادرتهم بالسلام، فخرج في ذلك الوقت رابعهم من السيارة التي كانت متوقفة بجانبهم، تحت مظلة تحميهم من عيون طيران إيران والغرب والخليج والأردن والمغرب، وبقية الحلف الستيني الشيطاني، الذي لا يغادر سماء الموصل الصامدة!
رد عليّ الجميع السلام، وكانوا يجلسون حول (چولة) وضعوا فوقها أبريق شاي، زاد الفحم الذي يغطيه لذلك الليل سواداً..
والـ (چولة) هي الصديقة الوفية للعائلة العراقية الفقيرة، فهي تمثل إحدى أهم أدوات الطبخ والتدفئة في البيت العراقي، وعادة ما يتم الإعتماد عليها بشكل كلي في البيت، كونها تعتمد على النفظ الأبيض الذي هو أرخص من بقية أنواع الوقود، ويمكن تصليحها بسهولة مهما كان حجم أعطالها، لكن المشكلة معها إنها تحول البيت إلى قطعة من السواد، بفراشه وأثاثه وأمتعته، بل وحتى الملابس والوجوه والإنوف، ما يجعل الحاجة مُلحّة إلى أنواع خاصة من المنظفات، كي يتم التخلص من آثارها التي تخلفها على كل ما يحيط بها، ومن شدة سوء حالها، اطلقوا الـ (چولة) كوصف على من يحمل رتبة (نائب ضابط) في الجيش العراقي السابق، كون صاحب هذه الرتبة معروف بإنه إن لم يجد من (يحرقه) أمام مرؤوسيه، فإنه يقوم بإحراق نفسه، وكذا حال الـ (چولة) التي تحرق نفسها وما حولها من شدة الدخان ومخلفاتها الفحمية!
قال أحد رجال الشرطة الإسلامية، ممن كان يتدفأ على تلك الـ (چولة):
تفضل حياك الله!
أجبته:
هل لي بسؤال؟!
رد عليّ أحد الرجال الأربعة من خلف لثام كان يضعه، رغم الظلام الذي كان يغطي المكان:
فقط سؤال! تفضل، نحن بخدمتك!
إجبته وكإنه نطق جُرماً بحقي:
معاذ الله، بل أنا من يخدمكم يا تيجان الرؤوس، إنما جئتكم من آخر الأرض، من الطرف الثاني للعالم، لأنقل للعالم واكشف له حقيقة ما يشاع ويروج ويفترى به على دولة الخلافة الإسلامية، وكذلك لأعطر انفاسي بنسيم وجودكم على هذه الأرض ووو...
وذكرت له أشياء أخرى أتحفظ عن ذكرها هنا، فلي في زيارتي مآرب أخرى، فليس كل ما في الجوف يقال!
نهض الرجال الثلاثة ووقفوا على أقدامهم، فيما إحتضنني الرجل الذي ترجل من دورية الشرطة الإسلامية، وتناوب الجميع على إحتضاني ومعانقتي، فيما كنت اُقبّل رأس كل واحد منهم بعد الإنتهاء من المعانقة، ولو سمحوا لي لقبّلت أقدامهم قبل رؤوسهم، فالشرف كل الشرف في أن يتعفر وجهي بالتراب الذي تطأه قدم مجاهد خرج ليقاتل في سبيل الله!
كاد قلبي، ومن شدة الفرح، أن يطير أو يتوقف، حينما وجدت نفسي وسطهم وهم يحتفون بي على طريقتهم الخاصة!
سألني أحدهم:
كيف وصلت إلى هنا يا أخي؟!
قلت:
قصة طويلة سأكتب عنها يوماً!!
قال: تكتب!! وماذا تعمل بالتحديد يا أخي حياك الله؟!
ذكرت له إنني صحفي وإعلامي..
أجاب:
ما شاء الله!
قلت له ولبقية رجال الدورية:
أسمعتم بالصحفي حسين المعاضيدي؟!
صمت الجميع، وكإنهم يحاولون إستذكار الاسم، فسارع أحدهم للقول:
أعرف حسين المعاضيدي الذي يكتب في المنتديات الجهادية، فلقد كنت أحرص على القراءة له منذ زمن ما قبل الفتح! وكان يقصد بزمن الفتح، وقت تحرير مدينة الرماح ،الموصل الحدباء، من سيطرة الشيعة والكُرد!
فقلت له، ولبقية زملائه من رجال دولة الخلافة:
وهاقد أتاكم كاتب المنتديات الجهادية بنفسه إلى ساحة جهادكم!
فأخذ ذلك الرجل الذي عرفني، يكبر الله وحمل بندقيته، التي كان يركنها على حافة الكرسي، بيد واحدة، وانطلق إلى حافة الشارع الثاني، بجوار عمود الإشارة الضوئية، بعدما قطع الشارع الأول بخطوتين، وهو ينادي باعلى صوته:
باقية .. باقية.. دولة الإسلام باقية!
ثم اعقبها بالتكبير ثلاثاً:
الله اكبر .. الله اكبر .. الله اكبر
في هذا الوقت إنشغل بقية الرجال الثلاثة في إعادة إحتضاني من جديد، بعدما علموا مهنتي الصحفية، ونصرتي لهم منذ أمد بعيد، ووصولي إلى أرض الخلافة.. ثم عاد ذلك المجاهد ليحتضنني، وكإني أخ له انقطعت عنه أخباره منذ قرون، والآن قد عاد، وهو ما أحسسته بداخلي نحوه!
كانت الدموع تنهال من عيناي بغزارة دون أن يلحظوا ذلك بسبب ضعف إنارة المكان.. تمنيت حينها لو إنني ما وافقتهم يوماً واطعتهم على الخروج من ميدان الجهاد، ولبقيت في سوح الوغى، فمرارة ذلك لا يعرفها إلا من فقد لذة الجهاد، حتى وإن كان بمهمة إعلامية مفروضة عليه..!
تمنيت في تلك اللحظات لو إنهم تركوني وانفضّوا من حولي لأبكي بصوت عالِ وحرقة كبيرة.!
احسوا بدموعي، وقالوا لي كفكف دموعك قد وصلتنا، فقلت لهم إنما هي دموع الفرح، مع إنها قبل أن تكون دموع الفرح إنما كانت دموع الحرقة على ما فات!
قلت:
سأستأذنكم الأن، ثم أعود إليكم بعد قليل!
قالوا لي:
إلى أين يا حاج؟! قل لنا ونحن نأتيك بما تريد..!!
أجبتهم:
لي رفيق سفر، موصلّي، طلب مني أن أكون ضيفه الليلة، إن لم أجد مكاناً لي، وسأذهب إليه لأعتذر عن مرافقته، بعدما وجدت مكاني الذي كنت أبحث عنه منذ سنين!
سألوني: هل دفعت إجرة التاكسي أم لا ؟!
استفهمت منهم عن الغاية من السؤال فأجابوني:
كي ندفعها نيابة عنك!
توقفت، وقبل أن اُجيبهم قلت في نفسي، يا الله، أي حال هذا الذي أنا فيه، حُسن اُستقبال، وفيض كرم، وحميمية لقاء، وعذوبة لسان!
أجبتهم:
وعشرة نعم منكم يا أحبتي، قلتها هكذا بصيغتها العراقية المعهودة، ثم أضفت عليها:
جزاكم ربي الجنان على عظيم كرمكم، لقد دفعت الإجرة، ومعي ما يكفي من المال، يا رعاكم الله!
ثم عدت راكضاً جهة صاحبي، (ابن الموصل)، بعدما وضعت حقيبتي وكاميرتي وحاسوبي (اللابتوب) بجوار الكراسي التي كان يجلس عليها رجال الدولة الإسلامية الاربعة، وقبل أن أصل إليه قابلني، صاحبي الموصلّي، في منتصف الطريق ، بعدما ترك حقيبته في الطرف الآخر من الشارع، وبادرني بالسؤال قبل أن أصل إليه بخطوات:
طمني، ماذا يجري، هل من مشكلة؟!
وكان يستغرب ذهابي إلى دورية الشرطة الإسلامية، وقرأت في عينيه الكثير من التساؤلات.. فقلت له:
أشكر لك كرمك وما غمرتني به من طيب، وأعتذر منك لإنني لن استطيع مرافقتك، فلقد وجدت ضالتي التي جئت أبحث عنها من مسافة آلاف الكيلومترات، فلقد وصلت إلى أهلي هنا!
كان ينظر إليّ وهو يحاول فهم الموضوع، وما أن أتيت على ذكر وصولي لأهلي حتى رفع عينيه بإتجاه رجال الدولة الإسلامية، الذين كانوا على مسافة خلفي، وأخذ يهزُّ رأسه، تعبيراً عن فهمه للموضوع.. وبغض النظر عما فهمه من صيغة كلامي، أجابني وهو يشبك ذراعيه حولي محتضناً إياي ومودعاً:
نصركم الله!
ثم أضاف عليها:
أتمنى أن التقيك يوماً.. فأجبته على الفور:
اسمي (حسين المعاضيدي)، إبحث عني على الإنترنت وستجدني، إن شاء الله تعالى.. في رعاية الله، وليحفظك ربي، ثم غادرني، فيما قفلّتُ راجعاً بسرعة إلى حيث تواجد رجال دورية الشرطة الإسلامية!
قبل أن أجلس على الكرسي الذي دعوني للجلوس عليه، طلبت منهم إفساح المجال لي لتأدية سجدة شكر وحمدٍ لله على ما أنعم به عليّ، وحينما سجدت، سمعت أحد رجال الدولة الإسلامية وهو يبكي، ومع إنني لم اسأله عن سبب بكائه، لكنني شعرت بشدة فرحه بوجودي بينهم، مع إنني كنت حينها أكثر أهل الأرض والسماء فرحاً بوجودي بينهم هناك!
كنت حينذاك أشعر إنني كطفل حصل من أبيه على نقود في صبيحة العيد، إختلطت دموعي بضحكاتي، قلبي يكاد يخرج من بين أضلعي، وكإنني ولأول مرة أرى مجاهدين في سبيل الله، مع إنني عملت بمعيتهم ردحاً طويلاً من الزمن، لكنه ربما الشوق الذي طفح بي كيله إلى تلك الوجوه الباسمة التي افتقدتها كل هذه السنين!
جلست على أحد الكراسي الأربعة، فيما بقي الجميع في حالة وقوف، وأخذ آمر الدورية ينادي بالجهاز إلى جهة أخرى، مُبلغاً إياهم أن الصحفي والإعلامي حسين المعاضيدي جاءهم من أوربا، وأخذ يسألهم عن الإجراءات المتبعة في إستقبال المهاجرين والمناصرين والصحفيين، فجاءه الرد، على مسامعي، بالترحيب بي أولاً، ثم طلب التأني حتى يتم الإتصال بمن يعنيهم الأمر، وانتهى الإتصال عند هذا الحد!
بعدها إجتمع الأربعة حولي، وبدأت الأسئلة تنهال عليّ، وكانت جميعها عن الصحافة والإعلام والتصوير والإصدارات، وكيفية وصولي، والعقبات التي واجهتها والكثير من الأسئلة التي قضيت قرابة النصف ساعة وأنا أحاول تلخيص إجاباتها!
قلت لهم، دعوني أقول لكم شيئاً، العالم كله منشغل بفتوحاتكم، وغير مصدق ما يجري من إنتصارات كاسحة على أيديكم، رغم ضخامة عدة وعدد العدو وكثرة تحالفاته، وحق لكم أن تفخروا بذلك، وحق لنا أن نفخر بكم، واعلموا أن جميع المسلمين الموحدين في العالم إنما انظارهم شاخصة نحوكم، ويترقبوا بشغف أنباء انتصاراتكم وفتوحاتكم، ليثلجوا بها صدورهم ويغيضوا ببشائرها أعدائهم وأعدائكم!
رد عليّ أحد المجاهدين الأربعة، وكان شاباً في منتصف العشرينات، نفر من البصرة الفيحاء بإتجاه الموصل الحدباء، في أعقاب الفتح المبارك، يوم تم سحل الجيش الشيعي والبيشمركة الكُردية على أيدي اُسود الإسلام، لينضم هذا الشاب من الجنوب إلى خندق مجاهدي الشمال.. قال لي:
والله إننا نلقنهم هنا كل يوم دروساً في فن الحرب، ولو تراهم كيف يهربون من أمامنا كالجرذان حين إشتداد المعارك وتعاقب الصولات لعرفت كيف أن الله معنا، وهو عضيدنا وناصرنا!
ثم دخل على خط الحديث رجل، يقترب من الخمسين عاماً، كان يضع بندقيته في رقبته حتى وهو جالس على الكرسي، فأضاف على كلام زميله:
اُنظر، أنا في عقدي الخامس، واسكن مدينة تلعفر، وقبل أسابيع قُتل أخي في إحدى المعارك مع البيشمركة بعد قصف الطيران الأميركي له، وفي رقبتي الآن سبعة عشر شخصاً، أمي وأبي، وعائلة أخي المقتول، وزوجتي وأطفالي، تركتهم والله بلا معيل، وقد تركت لهم الله، فوالله لن أخذل ديني، ولن أخذل اُمتي!
كان يتحدث وقشعريرة تنتاب كل جسدي سببها ضآلة ما أنا فيه، وضحالة ما أقدمه من نُصرة إعلامية مقابل ما قدمه ويقدمها أمثال ذلك المجاهد الخمسيني الذي تميزت شخصيته بالبساطة ودماثة الخلق والنبل الرفيع، إلى جانب بركان القوة الذي يغلي مرجله بداخله!
كنت استمع إليهم وكإنني في حلم، بل وكإن الملائكة هي من تحفني وتحيط بي وتحادثني وليس آدميين من جنس البشر.. تحول ذاك البرد الليلي، الذي كان ينتابني أول نزولي من السيارة، إلى حرارة يكاد يحترق منها قلبي الأن وأضلعي التي تحيطه كسوار حول معصم!
قال لي جليس ثالث، وهو مجاهد من أحد أحياء مدينة الموصل:
نعم نحن شرطة إسلامية، ولكننا بنفس الوقت نقاتل في مختلف الجبهات، هل تصدق إننا من حرر جبل سنجار، فقد قامت الشرطة الإسلامية بصولة على الجبل وحررناه في ظرف ساعات، بمعونة من الله، ولو رأيت كيف يهرب من نجا من البيشمركة من أمامنا لعرفت كيف أن جيشاً سماوياً ربانياً يشارك في القتال إلى جانبنا!
ثم أضاف مجاهد آخر، هو من أبناء الموصل أيضاً، كان يجلس بجانبي:
لا توجد عندنا شرطة إسلامية ثابتة، حيث يتم إستبدالنا بإستمرار، لإن الجميع يريد المشاركة في المعارك وفي الفتوحات، وفي الدفاع عن حدود دولة الخلافة، فرغم أهمية وجودنا في الشرطة الإسلامية لكن شوقنا للمعارك يبقى أكبر!
أراد أحد المجاهدين أن يصب لي الشاي، فتذكرت إنني لا زلت على صيامي، ولم اُفطر بعد، رغم غياب الشمس قبل ساعات، فطلبت منهم الماء لاُفطر، فتفاجئوا من تأخر إفطاري، فما شعرت إلا بأحد المجاهدين وقد إندفع راكضاً بإتجاه المطعم الذي توقفنا قبالته بسيارة الأجرة التي كنا نستقلها أول الأمر، ليحضر لي فطوراً من ذلك المطعم دون أن يخبرني حتى بنيته هذه، فيما سارع مجاهد آخر لتقديم الماء لي في قدح بلاستيكي متوسط الحجم..
كنا نجتمع حول تلك الـ(چولة)التي بالكاد تُدفئ نفسها من ضعف نارها، واشحت بنظري صوب تلة كبيرة تنتصب بجانبنا، غطى الظلام على كثير من تفاصيلها، قلت لهم:
أوليست هذه التلة التي يقال عنها إنها للنبي النبي يونس، عليه السلام، فاكدوا لي صدق توقعي، وكيف لا أعرف هذه التلة التي لطالما زرتها واطلعت بنفسي على ما كان يجري فيها من شرك وطواف حول قبر زعموا إنه مرقد للنبي يونس، عليه السلام، مع أنه قبر لقسٍ نصراني، دُفن في كنيسة اُقيم على انقاضها جامع، إدّعى القائمون عليه، زوراً وكذباً، إنه بُنيَ فوق قبر النبي يونس، عليه السلام، فأخبرت أولئك المجاهدين بقصة ذلك المقال، الذي كتبته موضحاً فيه ملابسات هذا المزار، وشرحت فيه حقيقة من يسكن هذا القبر، ومشاهداتي لما كان يجري فيه قبل الاحتلال، وحتى بعد سنوات الاحتلال يوم كنت دائم الزيارة والتواجد في مدينة الموصل الأبية، بحكم تجوالي الإعلامي وقتذاك.. وأضع هنا رابطاً للمقال الذي وضعت فيه بعض النقاط على بعض الحروف، حول حقيقة هذا القبر، وصواب فعل الدولة الإسلامية بإقدامها على إزالته من الوجود توحيداً لله، وحفظاً للعقيدة السليمة من الزلل والزيغ والإنحراف، بعد القدرة والتمكين:

https://justpaste.it/k1f8


وفجأة جاء لرجال الدولة الإسلامية الذين كنت اُجالسهم اتصال يعلن فيه المتصل عبر جهاز اللاسلكي (الراديو) حالة النفير، والإستعداد لموقعة قادمة، فتقافزت الاُسود الثلاثة التي كانت بقربي، وكل ذهب مسرعاً إلى جهة آخذين في جمع أغراضهم وحاجياتهم وهم يتباشرون..!
لم أفهم الأمر، فما الذي جرى، أو يجري حولي، سألتهم:
ما الذي يحدث يا إخوة؟!
قال لي الرجل (العفري)، كما يسمى أبناء تلعفر، والذي كان يتحرك في حماسة لم أرَ مثلها قبل ساعتي تلك:
نفير نفير!
تساءلت:
وماذا يعني ذلك، خبّرني بالله عليك؟!
سابقه بالإجابة مجاهد آخر، سبقه في جمع أغراضه:
ستكون هناك صولة على ملاحدة البيشمركة هذه الليلة، ونحن سنشارك فيها، قالها وكإنه كان ينتظرها بفارغ الصبر منذ سنين وعلى أحرِّ من الجمر، مع إنه أكد تواصل الملاحم والصولات التي يشارك فيها ضدهم وبشكل يومي!
عاد ذاك الشاب المجاهد، ابن نينوى، من المطعم الذي قصده ليأتيني بالفطور وهو يعدو مسرعاً، ولا أعرف كيف علم بأمر الصولة وهو هناك، ربما من جهاز اللاسلكي الذي كان يحمل واحداً منه هو الآخر!
قال لي:
يا حبيب: هذا فطورك واعذرنا من التقصير..!
كانت رائحة الكباب العراقي تفوح من الكيس النايلوني الذي خلّفت فيه حرارة الخبز أثراً، وضعتُ الكيس الذي يحوي طعام فطوري على الكرسي، ولم أتمكن حتى من شكرهم على كرمهم وطيبهم وحفاوتهم بي من فرط فرحتهم بذهابهم إلى موقعة جديدة.. فواصلت اسئلتي لهم، وسط الإرتباك الذي كنت فيه أنا، لا هم:
متى سيكون نفيركم إلى المعركة؟!
أجابني من أحضر طعام الإفطار:
الآن، وسنكون بإنتظار سيارة خاصة تُقلنا إلى حيث بقية المجاهدين.. ثم أضاف أمير المجموعة، الذي كان أول من انهى إستعداده للذهاب:
كم نتمنى لو إنك ترافقنا، فتشارك في معاركنا مع أول وصولك، وتصوّر بكاميرتك هذه هزائم البيشمركة والمرتدين..!
ابديت له إستعدادي للمشاركة والذهاب برفقتهم في معركتهم هذه وتصوير وقائعها، لكنه ابلغني أن الأمير لن يقبل بهذا قبل الحصول على الموافقات الخاصة، حفاظاً عليك، وحماية لك، كما قال!
خاب مسعاي، وذهبت محاولاتي أدراج الرياح، لكني أتفهم موقفهم، فمثل هذه الأمور لا تأتي على هذه الشاكلة، فلقد عملت سنيناً في هذه المهمة الصحفية الجهادية، واُدرك تماماً أن القيام بها يتطلب الكثير قبل الوصول إلى نيل هذا الشرف العظيم!
لم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لتصل السيارة التي جاءت لتقلهم، وقبل وصولها استقبلها الليوث مسرعين، وما هي سوى لحظات حتى اصبحوا بداخلها، وحتى قبل أن تتوقف، من شدة لهفتهم على المشاركة في الصولة على جموع البيشمركة الكردية..!
بقيت متسمراً في مكاني، منذهلاً من هول ما أراه من همة وتسابق على المعارك، مع أن أحدهم يدرك تماماً إنها ربما ستكون معركته الأخيرة قبل أن يلتحق بمن سبقه ممن رووا بدمائهم الزكية الطاهرة أرض الرافدين والشام الأبيتين، وسائر بقاع الجهاد..!
تحركت السيارة قليلاً ثم عادت لتتوقف، حيث قفز منها ثانية أمير المجموعة، الذي جاءني هرولة، بعدما كان قد صعد على متنها، فقال لي:
يا حاج، تستطيع إنتظار الإخوة الذين سيأتون إليك هنا كي يصطحبونك إلى مكان آخر، وإن شعرت بالبرد فإجلس في السيارة هذه، ولا تنسانا بالدعاء، ثم احتضنني قبل أن يعود مسرعاً إلى السيارة التي أرتقى على ظهرها كما يرتقي الفارس فرسه..!
نظرت حولي، بعدما غادروا، تجمدت، كتمثال أبي الهول، لدقائق في مكاني دون حراك، ثم تقدمت خطوات بإتجاه سيارة الشرطة الإسلامية التابعة لدولة الخلافة، كنت اتصرف بلا وعي، فتحت الباب، دخلتها، جلست خلف المقود، كان مفتاحها فيها، أدرت المفتاح، وسرعان ما دار المحرك، أنرت مصابيحها الأمامية، دقيقة مضت حتى عدت لأطفئ المحرك والأنوار معه، أرجعت المقعد إلى الخلف قليلاً، إتكأت عليه بقوة، ثم أرخيت نفسي، واغمضت عيني، ثم هذيت بكلام أتذكر منه:
ياااااااه أين كنت، وأين أصبحت.. يا الله، أين أنا!!!
فأجهشت بالبكاء، مستغلاً خلو المكان إلا مني، ومن سيارة الشرطة لدولة الخلافة الإسلامية، لم أعلم سبباً مباشراً لنوبة البكاء الحادة والغريبة التي اجتاحتني لحظتها، ولا سبباً مقنعاً لتلك الدموع الغزيرة التي لم اُكلف نفسي حتى عناء تجفيفها عن خدايّ وقتها، لكنني متيقن من شيء واحد فقط، وهو إنها ما كانت لتكون، ولن تكون أبداً، دموع الندم!
حسين المعاضيدي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alwlawalbra.ahladalil.com
 
هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي ج3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه الولاء والبراء الاسلاميه :: المواضيع العامه-
انتقل الى: